أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
10
نثر الدر في المحاضرات
وعهد عند موته فكتب : هذا ما عهد أبو بكر خليفة محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند آخر عهده بالدنيا ، وأول عهده بالآخرة ، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ، ويتقي فيها الفاجر . إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن برّ وعدل فذاك علمي به ، ورأيي فيه ، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت ولكلّ امرئ ما اكتسب من الإثم ، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون . وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : دخلت عليه في علّته التي مات فيها ، فقلت : أراك بارئا يا خليفة رسول اللّه . فقال : أما إنّي على ذلك لشديد الوجع ، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي ، إني ولّيت أموركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه . واللّه لتتّخذن نضائد الديباج وستور الحرير ، ولتألمنّ النّوم على الصّوف الأذربيّ كما يألم أحدكم النوم على حسك السّعدان . والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حقّ خير له من أن يخوض غمرات الدنيا . يا هادي الطريق جرت ، إنما هو واللّه الفجر أو البجر . فقلت : خفّض عليك يا خليفة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - ، فإنّ هذا يهيضك إلى ما بك ، فو اللّه ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا ، ولقد تخلّيت بالأمر وحدك فما رأيت إلّا خيرا . بلغ عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أن أقواما يفضلونه على أبي بكر رضي اللّه عنه ، فوثب مغضبا حتى صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله ، ثم أقبل على الناس فقال : إني سأخبركم عنّي وعن أبي بكر : لما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ارتدّت العرب ، ومنعت شاتها وبعيرها ، فأجمع رأينا كلّنا أصحاب محمد أن قلنا : يا خليفة رسول اللّه ، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمدّه اللّه بهم ، وقد انقطع ذلك اليوم ، فالزم بيتك ومسجدك ، فإنه لا طاقة لك بالعرب . فقال أبو بكر : أو كلّكم رأيه هذا ؟ فقلنا : نعم . فقال : واللّه لأن أخرّ من السماء فتخطّفني الطير أحبّ إليّ من أن يكون هذا رأيي . ثم صعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه وكبّره ، وصلّى على النبيّ عليه السلام ، ثم أقبل على الناس فقال :